تخطَّ إلى المحتوى
حكايات زراعة العائدالفصل 272 · العمود (3
الفصل 272

العمود (3

حكايات زراعة العائد.

ترجمة الخالد المجنون.

​الفصل 272: العمود (3).

​كوجوجوجو!

​في إحدى حواضر «شينغزي».

شعر سكان مدينة داو يون، للسلسلة الجبلية العظيمة، بضيق مفاجئ في أنفاسهم واختناق شديد.

​“مهلاً… ألا تشعرون بضيق غريب في الصدر؟”

“الهواء ثقيل كالصخر تمامًا… هل أصابني وهن مفاجئ؟”

“يكاد نفسي ينقطع…!”

​كان هذا حال العامة من الناس، أما بالنسبة لممارسي الفنون القتالية فقد كان البلاء أعظم.

​“غرررغ! طاقتي… طاقتي الداخلية!”

“طاقتي الداخلية تجمدت في مساراتها فجأة!”

“أنا أستنشق الهواء، لكن لا طاقة تسري في عروقي! التنفس بات مستحيلاً!!!”

​تصلبت طاقتهم الداخلية تمامًا وشُلت حركتها.

وعلاوة على ذلك، كان وقع الكارثة أشد فتكًا على متدربي الخلود.

​غررك، غررك!

​سقط أحد متدربي «شينغزي» على الأرض، والزبد الأبيض يخرج من فمه بتشنج.

​غررك، غررك!

​تجمدت مسارات الطاقة الروحية في أجسادهم بالكامل، وركدت الطاقة الروحية للسماء والأرض التي يتنفسونها.

كانت نية القتل الطاغية الممتزجة بطاقة السماء والأرض تسلط ضغطًا نفسيًا ساحقًا على عقول المتدربين؛

بلغ هذا الضغط ذروته مع متدربي {مرحلة بناء التشي}، في حين ترنح متدربو {مرحلة تكوين النواة} وجاهدوا للمقاومة بالاعتماد على قوة أنويتهم الذهبية.

لم يدرك أحد منهم سر هذا الاضطراب المفاجئ في طاقة السماء والأرض، ولا سبب وقوع هذه الكارثة المباغتة.

​حاولتُ جاهدًا الحفاظ على هدوء ملامحي، لكن وجهي تصلب لا إراديًا.

وبعد برهة…

استجمعتُ شتات نفسي، وكبحتُ نية القتل الهائجة، فارضًا سيطرتي الكاملة على نيتي.

​“…أعتذر منك. عشيرة تشيونغ مون لها وجود أيضًا في عالم الصقيع الساطع، وقد انفعلتُ بشدة حين سمعتُ باسم تشيونغ مون ريونغ من بينهم.”

قدمتُ اعتذاري لكيم يونغ هون.

​ابتسم كيم يونغ هون بمرارة وأجاب:

“صديق لصديق إذن؟ أتفهم ذلك تمامًا؛ فالشعور بالحزن لأجل الصديق يثير الحنق في النفس. لكن… لم يكن بيدي حيلة. وعوضًا عن القول إنني قتلته، الأدق هو أنني أدخلته في غيبوبة تامة.”

“…همم.”

​وبسماع كلمة “غيبوبة”، تمكنتُ بالكاد من لجم نيتي المضطربة.

‘إذن، هو لم يمت بعد.’

ما زال هناك بصيص أمل.

قد نعجز عن إيجاد سبيل لشفائه في هذا العالم المتواضع، لكن مع وفرة الكنوز والإكسيرات النادرة في عالم الصقيع الساطع، لا بد من وجود طريقة لإنقاذه.

​“كان وصول تشيونغ مون ريونغ إلى {مرحلة تكوين النواة} وما حققه من إنجازات هائلة نقطة تحول مفصلية في تاريخ هذا العالم. نعم، من الأفضل أن أسرد لك الحكاية من هذه النقطة تحديدًا. في البداية…”

واسترسل كيم يونغ هون في حديثه.

​كان لتأثير الفراشة الناتج عن الأقدار الكثيرة التي غيرتُها في هذا العالم أثر بالغ وعميق.

أولاً، وتحت راية عشيرة تشيونغ مون، شكلت العشائر الكبرى في الممالك الغربية الثلاث تحالفًا أطلقوا عليه اسم «تحالف الأصدقاء النقيين».

كان الهدف من هذا التحالف هو التعاون في المناطق المشتركة مع احترام سيادة كل طرف، وتزامن ذلك مع الثراء الغامض لعشيرة تشيونغ مون وبقايا وادي الشبح الأسود التي تحالفت معهم.

وقيل إن سونغ جين، وهو الروح المتبقية لمتدرب في {مرحلة الكائن السماوي} وكيان يقف في {مرحلة تكوين النواة}، قد وسع نفوذه بالتردد المستمر على «قصر القيادة الخدمي» بمساعدة تلميذه الهجين نصف البشري، سيو ران.

​أما كيم يونغ هون، وخلافًا لحياته السابقة، فقد وجد نفسه مجبرًا على مجابهة المتدربين منذ البداية.

وبصفته فنانًا قتاليًا يحرسه ثعلب في {مرحلة تكوين النواة}، فقد لفت أنظار متدربي «تحالف الأصدقاء النقيين» بطبيعة الحال.

في بادئ الأمر، كاد كيم يونغ هون أن يُقتل ضربًا على يد الثعلب، لكنه سرعان ما صقل مهاراته عبر مبارزة المتدربين الذين وفدوا للبحث عنه من التحالف.

​وبعد قرابة خمس سنوات،

بلغ كيم يونغ هون مرحلة «ما وراء المسار»، محققًا المستوى الذي مكنه أخيرًا من ضرب ذلك الثعلب وتأديبه.

ومنذ تلك اللحظة، باتت تصله أخبار عالم التدريب، الذي كان يشهد نهضة واسعة بقيادة «تحالف الأصدقاء النقيين» وعشيرة تشيونغ مون في قلبه.

​وفي صلب عشيرة تشيونغ مون، كان تشيونغ مون ريونغ يقف في بؤرة التغيير، بعد أن نال كميات هائلة من الموارد وحقق تقدمًا مذهلاً.

كان تشيونغ مون ريونغ يعكف على دراسة الاستنارة والمعادلات الخاصة بـ {المرحلة المتأخرة من بناء التشي}، و{الكمال الأعظم}، وحتى {المرحلة المبكرة لتكوين النواة} عبر مبدأ «الفهم قبل الاختراق».

وفي غضون خمس سنوات فقط، وبدعم سخي من الأحجار الروحية من عشيرته بأسرها، جمع في آن واحد بين «الفهم قبل الاختراق» و«الاختراق قبل الفهم»، متجاوزًا ضعف بنيته الجسدية ليصبح أخيرًا متدربًا في {مرحلة تكوين النواة}.

​وكان أول خصم يواجهه كيم يونغ هون هو تشيونغ مون ريونغ نفسه.

وكيم يونغ هون، الذي كان قد هزم الثعلب القابع في {مرحلة تكوين النواة المتوسطة} بعد بلوغه «ما وراء المسار»، وجد نفسه على حافة الهلاك أمام تشيونغ مون ريونغ الذي كان قد اخترق {مرحلة تكوين النواة} لتوه!

كان ذلك اليوم هو المرة الأولى التي يتجرع فيها كيم يونغ هون طعم الهزيمة على يد متدرب بشري.

​ومع ذلك، ومنذ ذلك النزال، تقاربت نفوسهما ونشأت بينهما ألفة غريبة وتشاركا السراء والضراء.

أصبح الاثنان رفيقين مقربين، وانضم كيم يونغ هون إلى «تحالف الأصدقاء النقيين»، وراح يصقل فنونه القتالية بمرور الأيام حتى تمكن من التفوق على تشيونغ مون ريونغ بعد عدة مواجهات.

وبقتاله المستمر ضد تشيونغ مون ريونغ والثعلب، راكم كيم يونغ هون خبرات قتالية بسرعة جنونية، متسارعًا نحو مفاهيم «تخطي السماء» التي كانت تلمع في وجدانه.

​ساد الهدوء لبعض الوقت…

إلى أن تقدم سونغ جين بطلب عاجل إلى «تحالف الأصدقاء النقيين»:

[أعتزم دخول المرصد الفلكي التابع لقبيلة تنانين البحر في أقصى الجنوب، ويتطلب الأمر إجراء إصلاحات أساسية لـ «سفينة عبور العالم السفلي». يرجى حشد أبرز حرفيي الأدوات السحرية القادرين على إصلاحها.]

​واستجابة لطلبه، تقاطر أمهر الحرفيين من أرجاء التحالف كأسراب النحل؛

إذ كانت فرصة العمر لرؤية «سفينة عبور العالم السفلي» الأسطورية الخاصة بوادي الشبح الأسود.

ومن بين الجميع، سطع نجم «بوك هيانغ-هوا من متجر القطع الأثرية السحرية» كأبرز موهبة على الإطلاق، حيث شغلت أحد مقاعد «العظماء الثلاثة في بناء التشي» خلفًا لتشيونغ مون ريونغ الذي ارتقى إلى {مرحلة تكوين النواة} في بيوكرا.

​وإعجابًا ببراعتها الفائقة، اختارها سونغ جين مع مئة حرفي موهوب آخرين للدراسة في «قصر القيادة الخدمي»، موكلاً إليهم مهمة إصلاح السفينة الأسطورية.

وخلال تلك الحقبة، أصبحت بوك هيانغ-هوا ركنًا أساسيًا في «تحالف الأصدقاء النقيين» إلى جوار تشيونغ مون ريونغ،

وتعرفت كذلك على كيم يونغ هون، صديق تشيونغ مون ريونغ، ونشأت بينهم روابط متينة.

وكان تشيونغ مون ريونغ تحديدًا يرمق بوك هيانغ-هوا، التي خلفته في مقعد العظماء الثلاثة، بنظرات الرضا والتقدير لجهدها وموهبتها الفذة.

​ومرت خمس سنوات أخرى في سلام ووئام، وأُنجزت الإصلاحات الأساسية لـ «سفينة عبور العالم السفلي» تحت إشراف بوك هيانغ-هوا.

غمرت السعادة قلب سونغ جين وكافأ بوك هيانغ-هوا بسخاء، ثم أبحر بـ «سفينة عبور العالم السفلي» ليدخل ذلك الموضع المسمى «المرصد الفلكي» داخل «قصر تنين البحر».

​“ومن تلك النقطة تحديدًا، بدأت الكارثة.”

تعقدت نظرات كيم يونغ هون وهو يتابع:

“طلب سونغ جين من تشيونغ مون ريونغ استخدام أجهزة الرصد في المرصد الفلكي لكشف حقيقة معينة؛ إذ إن «التعاويذ الأساسية» تمثل اللغة الجوهرية في عالم المتدربين، وكان بحاجة ماسة إلى خبرة تشيونغ مون ريونغ الذي أتقن هذه اللغة وتعمق فيها إلى أبعد الحدود.”

​‘مرصد فلكي؟’

بالفعل، كان تشيونغ مون ريونغ ضليعًا في علم الفلك ورصد مسارات النجوم، وكان بارعًا في التعامل مع آلات الرصد تلك.

​“وبعدها، توجه تشيونغ مون ريونغ برفقة سونغ جين إلى المرصد الفلكي في قصر تنين البحر، وقضى سنوات في تحليل وتفسير البيانات الفلكية. وفي سنتي الرابعة عشرة في هذا العالم، بلغتُ مرحلة «تخطي السماء» بعد أن لقنتُ ‘بادوك’ درسًا قاسيًا…”

“لحظة واحدة، من هو ‘بادوك’ هذا؟”

“آه، إنه الاسم الذي أطلقته على ذلك الثعلب؛ فقد ذكرني بكلب ضال كنتُ أقتنيه في صغري، فأطلقتُ عليه نفس الاسم.”

“…ألا ترى أن تسمية وحش كهذا باسم حيوانك الأليف… ينطوي على إساءة للحيوانات؟”

“إساءة للحيوانات؟! الإساءة تقع على المخلوقات الضعيفة العاجزة عن الدفاع عن نفسها، لا على ذلك الوحش المفترس الذي كان يتربص بي لتمزيقي ومضغ عظامي!”

“…حسنًا، لا بأس. وماذا جرى بعد ذلك؟”

“المهم، أنني بعد أن هزمتُ ذلك الثعلب الذي وصل إلى {مرحلة الكمال الأعظم لتكوين النواة} وبلغتُ «تخطي السماء»، اتجهتُ جنوبًا لأتباهى بإنجازي أمام صديقي تشيونغ مون ريونغ. وهناك، في قلب المرصد الفلكي في الطرف الجنوبي، وجدتُ أن تشيونغ مون ريونغ قد مسه الجنون تمامًا!”

“!”

​“حاولتُ تهدئته وكبحه بدافع القلق عليه، لكنه لم يصغِ إليّ قط؛ بل هاجمني في نوبة هياج وثورة عمياء. كان هجومه مفعمًا بنية القتل الصريحة، مما اضطرني لإخضاعه بالقوة. ولكن… في تلك اللحظة بالذات، أفلت تشيونغ مون ريونغ من قبضتي وشرع في ‘التهام’ البيانات التي عكف على تفسيرها!”

“نعم؟”

سألته مجددًا وأنا عاجز عن التصديق:

“ماذا تعني بـ ‘التهام’؟”

“لقد ابتلعها حرفيًا؛ مضغ أوراق البيانات الفلكية وابتلعها في جوفه!”

“…”

​“وعلى أية حال، فبمجرد أن ابتلع تلك الأوراق، تفجرت قوة تشيونغ مون ريونغ وتضاعفت بشكل مرعب! ثم انقض عليّ وهو يهذي بأنه كشف حقيقة هذا العالم… وأنا… كدتُ ألقى حتفي من تلك الضربة.”

“!”

سألته بذهول تام:

“ضربة تشيونغ مون ريونغ… تمكنت من إصابتك؟”

“نعم، أصابتني مباشرة.”

​كيف يعقل لكيم يونغ هون، الذي يجسد سرعة «الإشراق المتجاوز»، أن يُصاب بهجوم من متدرب في مرحلة تكوين النواة؟!

‘حتى في {مرحلة الكائن السماوي}، لا يوجد ما يضمن إصابة كيم يونغ هون وهو في مرحلة «تخطي السماء»…’

وبينما يلفني الذهول، واصل كيم يونغ هون روايته:

​“كان الأمر غريبًا للغاية؛ لم تكن المسألة مرتبطة بدقة الهجوم بقدر ما كانت مفهومًا قاطعًا يفرض الإصابة الحتمية: [المراوغة ممنوعة]! وكنتُ أقاتل بكل ما أوتيتُ من قوة للفرار من مدى بصر تشيونغ مون ريونغ فحسب. وفي قاع قصر تنين البحر، نجحتُ بالكاد في الهروب برفقة سونغ جين، الذي كان يختبئ من أنظار تشيونغ مون ريونغ على متن «سفينة عبور العالم السفلي». لقد حاول سونغ جين لقاءه مثلي وكاد يُقتل بالطريقة ذاتها، وحتى مع امتلاكه للسفينة، عجز عن الإفلات التام من بصر تشيونغ مون ريونغ.”

“…”

​“وحين استقر بنا المقام بعد الهروب، شدد سونغ جين برفقة سيو ران على أنه: [إن لم نقضِ على تشيونغ مون ريونغ الآن، فإن هذا المجنون إن اخترق {مرحلة الروح الوليدة} سيبيد العالم بأسره!]… ولم أجد في نفسي حجة لدحض كلماته؛ فتشيونغ مون ريونغ الذي رأيته هناك لم يعد ذلك الصديق الذي عهدته أبدًا.”

تحدث كيم يونغ هون بنبرة تفيض كآبة وألمًا.

وتصلبت ملامحي وأنا أصغي إليه.

​“…وبعد فرارنا، تولت بوك هيانغ-هوا، إحدى «العظماء الثلاثة في بناء التشي»، مهمة إصلاح «سفينة عبور العالم السفلي» التي تضررت حتى باتت خراباً لا تُعرف. ولحسن الحظ، تمكن سونغ جين من جمع بعض الكنوز الدفينة في قاع قصر تنين البحر أثناء اختبائه، واستعانت بها بوك هيانغ-هوا لإعادة بناء السفينة بكفاءة شبه مثالية. ولم تكتفِ بذلك فحسب، بل شرعت في إنتاج نسخ متعددة من «سفينة عبور العالم السفلي» بكميات هائلة.”

“…هاه…”

​“وفي مرحلة ما، تقلصت الأنماط المنقوشة على وجهها من أربعة أنماط إلى ثلاثة، ومنذ ذلك الحين، بدأت نسخ «سفينة عبور العالم السفلي» تتدفق وتُنتج بلا توقف.”

​‘موهبة «قانون النمط الاستثنائي»… موهبة النمط الثلاثي؟’

تتدرج موهبة قانون النمط الاستثنائي من سبعة أنماط حتى نمط واحد؛

فمن السبعة إلى الأربعة، تقع الموهبة بين العبقرية العادية ومستوى المعجزة،

أما من النمط الثلاثي فما دونه، فيُقال إنها تمثل انبثاق موهبة شيطانية خارقة للعادة!

​‘هل بلغت موهبتها مستوى النمط الثلاثي حقًا؟’

لكن مسألة إنتاج «سفينة عبور العالم السفلي» بهذه الأعداد…

أذهلني كيف يُصنع سلاح مرعب كهذا بتلك الكثافة، وسرعان ما راودني تساؤل بدهي:

​“أعلم أن «سفينة عبور العالم السفلي» تتطلب طاقة جبارة للتشغيل، فمن أين أتيتم بمصدر الطاقة لكل تلك السفن؟”

“حسنًا، في بادئ الأمر، حشدنا أعدادًا غفيرة من المتدربين وضخخنا كميات هائلة من القوة الروحية لتشغيل أسطول من تلك السفن المصنعة، وأطلقنا عليه مجتمعين اسم «أسطول بوك هيانغ».”

“…ومن أطلق هذا الاسم؛ «أسطول بوك هيانغ»؟”

“بوك هيانغ-هوا هي من اختارت الاسم بنفسها.”

​لم أتمالك نفسي من الابتسام، وشعرتُ بالشفقة عليها مع يقيني بأن الاسم يفتقر إلى البلاغة؛

‘أشفق عليها حقًا، لكنه اسم غير موفق إطلاقًا.’

وراودني ندم طفيف على أنني لم أكن حاضرًا لأبتكر اسمًا أكثر هيبة ووقعًا.

​“على أية حال، تشكلت ‘حملة إخضاع تشيونغ مون ريونغ الأولى’ مني، ومن «أسطول بوك هيانغ»، ومجموعة من متدربي {مرحلة تكوين النواة} في «تحالف الأصدقاء النقيين».”

“…’الأولى’… هذا يعني…”

“أجل، كانت كارثة وفشلاً ذريعًا. كاد «أسطول بوك هيانغ» أن يُباد عن آخره، وتجرع متدربو النواة جراحًا بالغة، بل ولقي بعضهم حتفه. لكننا خرجنا بنتيجة واحدة.”

​لمعت عينا كيم يونغ هون بحدة:

“تمكنا من شق بطن تشيونغ مون ريونغ وانتزاع ‘شيء ما’ من أحشائه.”

“…عفوًا؟”

تغير وجهي لسماع فكرة شق بطن تشيونغ مون ريونغ، ولم أدرِ بمَ أجيب.

“ما الذي… انتزعتموه؟”

​“تبين أنها ‘البيانات الفلكية’ ذاتها التي ابتلعها في السابق؛ إذ تحجرت تلك الوثائق داخل جسده بعد ذوبانها لتتحول إلى مادة صخرية غريبة أدت دور الروح الوليدة في داخله بطريقة ما! انتزعنا ذلك الحجر الغريب وانسحبنا فورًا. وبعد ذلك…”

ابتسم كيم يونغ هون ابتسامة خافتة:

“وفقًا لقول سونغ جين، احتوى ذلك الحجر الغامض على طاقة تعادل المحرك الأصلي لـ «سفينة عبور العالم السفلي». لذا، وكلنا مهمة الإصلاح الشامل إلى بوك هيانغ-هوا، وفي ذلك اليوم تحديدًا، استعادت سفينة وادي الشبح الأسود الأسطورية كامل مجدها وقوتها العاتية… لقد كانت قوة مهولة بحق.”

​‘سفينة عبور العالم السفلي…’

استحضرتُ في ذهني السفينتين المتبقيتين لوادي الشبح الأسود.

وباسترجاع الهالة المرعبة التي كانت تنبعث منهما، سرت قشعريرة باردة في أوصالي.

​‘هذا جنون مطبق! كيف يعقل حدوث ذلك؟’

أي سر كشفه تشيونغ مون ريونغ وفك شفرته حتى ظهرت في جسده مادة وحشية بتلك القوة، كافية لتشغيل سفينة أسطورية كهذه؟!

​“وبدعم من «سفينة عبور العالم السفلي» المكتملة، انطلقت حملة الإخضاع الثانية. وبطبيعة الحال، باءت بالفشل كسابقتها، لكنك تستطيع تخمين ما تلا ذلك، أليس كذلك؟”

“…أجل. تمكنتم مجددًا من انتزاع حجر غريب آخر من جسده…”

​“بالضبط. وبفضل تلك الأحجار الغامضة التي كانت تتشكل باستمرار داخل تشيونغ مون ريونغ، تعاظمت قوتنا وتطورت ترسانتنا؛ وبات «أسطول بوك هيانغ» يظهر قوة ساحقة ومخيفة بمرور الوقت. وهكذا، وعلى مدار أكثر من أربعين عامًا، واصلنا شن حملات الإخضاع المتتالية ضد تشيونغ مون ريونغ بلا هوادة!”

“…”

​وارتسم العذاب والأسى على وجه كيم يونغ هون:

“بعد خمسة وعشرين عامًا في هذا العالم… وبعد أن دُفعتُ إلى حافة الموت على يد ذلك المجنون مرارًا وتكرارًا… ظهرت استنارتي أخيرًا فوق قمة السماء المحطمة وبلغتُ «تحطيم السماوات». لكن عند تلك النقطة، كان تشيونغ مون ريونغ قد انسلخ تمامًا عن إنسانيته؛ لم يعد ذلك الصديق موجودًا، بل تحول تدريجيًا إلى ‘وحش’ حقيقي.”

“…”

​مسحتُ على وجهي بمرارة، وشعرتُ بانقباض صدري مع توالي فصول الرواية.

​“كان لزامًا عليّ… قتله بعد أن غدا وحشًا كاسرًا. لكن في الوقت ذاته، كانت رغبتي في إنقاذ صديقي تشتعل بجنون في صدري. لذا، اندفعتُ بيأس أبحث عن المرحلة التالية؛ تمنيتُ وتضرعتُ من أعماق روحي، وصقلتُ كل عضلة وخلية في جسدي حتى أقصى درجات الإجهاد. ضحيتُ بسنوات عمري، وتدربتُ بهياج عارم داخل الزمن المتسارع لـ «السيف المشع المتجاوز»! وكل ذلك… كان فقط لبلوغ ‘المرحلة التالية’ لمنح تشيونغ مون ريونغ الخلاص والسكينة.”

​مرر كيم يونغ هون كفه على وجهه، وعلت ثغره ابتسامة ممزوجة باللوعة:

“وهكذا بلغتُ ‘المرحلة التالية’ أخيرًا. وبالتقنية التي استنبطتها، نجحتُ في فرض الختم على روح تشيونغ مون ريونغ، ليفارق جسده المتحول داخل المرصد الفلكي ويسقط في غيبوبة أبدية.”

“…أهذا ما حدث؟”

​“أتعلم شيئًا؟”

قال كيم يونغ هون بصوت خفيض:

“في اللحظة التي هوى فيها نصلي الأخير نحو تشيونغ مون ريونغ… استعاد وعيه في الرمق الأخير.”

“…”

​“كنا نظن أنه استحال إلى مسخ، لكن الحقيقة تجلت حينها؛ كان تشيونغ مون ريونغ طوال تلك السنين يصارع بمفرده ويكبح شيئًا مرعبًا ينبت في أحشائه بقوة إرادته العقلية… ظننا أننا نقاتله لإنقاذ العالم، بينما كان هو في حقيقة الأمر يقف وحيدًا في الظلام، يتصارع مع ذلك الكيان ويحمي العالم من الفناء.”

“…”

​سألته بصوت مرتعش والاضطراب يعصف بحدقتيّ:

“ما هو ذلك الشيء تحديدًا…؟”

“ما الذي رآه تشيونغ مون ريونغ وفسره ليؤثر عليه بتلك الصورة المروعة؟”

​“لا أعلم حقيقته على وجه اليقين. كل ما قاله تشيونغ مون ريونغ قبل أن يغيب عن الوعي هو أنه فسر ‘السماوات’ جزئيًا. لا أدري إن كان يقصد معنى مجازيًا أم حقيقة مجردة، لكنه بالاعتماد على أجهزة المرصد الفلكي وفهمه لـ «التعاويذ الأساسية»، راى شيئًا لا ينبغي لبشري رؤيته. نعم، كان ذلك إنجازه الأعظم، وبسبب ذلك الإنجاز بالذات… انتهى به المطاف إلى هذا المصير.”

“…”

​“كان يملك عقلًا فذًا جعله يلامس حكمة مطلقة، لكن أي حكمة ملعونة تلك التي تقود صاحبها إلى هذا الجحيم…”

​تذكرتُ مذكرات جيون هيانغ؛

كيف أن مراقبة السماء كانت تصيبه بصداع يفتت رأسه.

وتذكرتُ تحذير يانغ سو جين بأن هذا العالم بأسره مشؤوم وملعون.

وترددت في ذهني كلمات زينغلي عن الكيانات العظيمة التي تضاهي الخالدين الحاكمين والتي فنيت في هذه البقاع…

​لا شك أن تشيونغ مون ريونغ قد حلل البيانات بناءً على فهمه لـ «التعاويذ الأساسية»، مستعينًا بالسجلات التي خلفها فلكيو قبيلة تنانين البحر كجيون هيانغ وغيره بعد دخولهم المرصد الفلكي.

‘إن «مراسيم التعاويذ الأساسية» تتمحور في جوهرها حول هالة التشي.’

ومرحلة تنقية التشي تدور حول استيعاب هالة التشي، وهي الأساس لغرس “السماوات” في الكيان.

وفسر تشيونغ مون ريونغ بيانات رصد سماء عالم الرأس من منظور التشي، والنتيجة كانت استحالته إلى ذلك الكائن الذي وصفه كيم يونغ هون!

​“وفي لحظاته الأخيرة قبل السبات، لقّن تشيونغ مون ريونغ بوك هيانغ-هوا طريقة ‘استخراج’ المعرفة من تلك الأحجار دون أن يفتك بها الجنون. وعملًا بوصيته، استوعبت بوك هيانغ-هوا شيئاً يسيرًا من تلك الأسرار، وطورت «أسطول بوك هيانغ» إلى آفاق مرعبة. وهذه هي خلاصة القصة بشأني، وبشأن تشيونغ مون ريونغ، والأسطول.”

تحدث بنبرة يقطر منها الأسى، ثم أردف:

​“…أتدرك الآن طبيعة المستوى الذي أبلغه؟ إنه مستوى عصرتُ روحي لأصل إليه فقط لأمنح رفيقي الخلاص. ورغم أنني أرحته من عذابه، إلا أنني فعلتُ ذلك بنصلي الذي قطعه. لذا، عفتُ نفسي أن أطلق اسمًا على مرتبة بلغتها بذبح صديقي، وتركتها بلا اسم.”

“…أفهم ذلك.”

​“…وبعد أن بلغتُ تلك الذروة، كدتُ أفقد صوابي من الملل؛ بارزتُ «أسطول بوك هيانغ» المطور، وحين غدا النزال معهم بلا طائل، عشتُ أتدرب بجنون هستيري. ولولا ذلك، لظل إحساس ختم روح تشيونغ مون ريونغ يطاردني بلا هوادة. لكن حتى ذلك التدريب فقد بريقه مع الوقت، وعاد الشعور ليخنقني مجددًا. بات كل شيء تافهًا، وكدتُ أجن من فرط الضجر… حتى عثر سيو ران وسونغ جين على مخطوطة قديمة.”

​أنصتُ إليه باهتمام وترقب.

“أشارت تلك المخطوطة إلى احتمال وجود وسيلة لشفاء تشيونغ مون ريونغ وإعادته إلى سابق عهده داخل عالم يُدعى «عالم القوة القديمة». كنا نعتزم الصعود عبر بوابة الصعود بعد ألف عام، لكن الخطة تبدلت بالكامل.”

​توهجت عينا كيم يونغ هون ببريق العزم:

“قررنا الصعود إلى «عالم القوة القديمة»؛ أنا لإنقاذ تشيونغ مون ريونغ، وبوك هيانغ-هوا لتعزيز الختم المفروض على طاقة الأحجار الغريبة المستخرجة منه، وسيو ران وسونغ جين للبحث عن وسيلة لمجابهة شخص يُدعى سيو هويل.”

​“«عالم القوة القديمة»…؟”

استرجعتُ ما أعرفه عن «عالم القوة القديمة»؛

معلوماتي عنه شحيحة، لكنني سمعتُ أن الرحلة إليه ذهابًا وإيابًا من عالم الصقيع الساطع تستغرق ألف عام كاملة، وتتطلب شروطًا خاصة للعبور.

​“وهل توجد وسيلة للصعود إلى «عالم القوة القديمة» حصرًا دون غيره؟”

سألته متعجبًا.

فالصعود إلى عالم الصقيع الساطع كان يسيرًا لوجود البوابة،

أما العوالم الوسطى الأخرى فالصعود إليها يعتمد على الصدفة ونوعية أساليب التدريب المتبعة.

​أومأ كيم يونغ هون موضحًا:

“أجرى سونغ جين حساباته، وتبين أننا جميعًا ‘مؤهلون’ لدخول «عالم القوة القديمة»؛ فمن يحوز الأهلية وينال بركة «ختم القيادة الخدمي» يمتلك فرصة عظمى للصعود إلى هناك.”

“همم…”

​“وفوق ذلك، يحدد موقع السماء في هذا العالم أي العوالم الوسطى أقرب إلينا؛ ويُقال إن «عالم القوة القديمة» هو الأقرب فوق معاقل طائفة الرعد السماوي الإلهي الذهبي، بمحاذاة سماء قمة السماء المحطمة. لذا، وحدتُ قواي مع بوك هيانغ-هوا وشققنا الحاجز البعدي الشديد الكثافة لسماء القمة، وتركتُ ‘جزءًا مني’ هنا لحراسة تشيونغ مون ريونغ قبل أن أصعد بجسدي الأصلي. وهذه هي القصة برمتها.”

“…”

​“أنا ممتن لك من صميم قلبي يا سيو أون هيون؛ فلو لم تظهر، لغرق تجسيدي الرمزي في لجة الجنون ببطء، ولألقى ذلك بظلاله على جسدي الأصلي أيضًا. لا تتخيل حجم الراحة التي غمرت فؤادي حين رأيتك.”

بدا أن حماسه المفرط لمبارزتي كان مدفوعًا بهذا السبب أيضًا.

​وبينما أصغي لروايته، تملكني الذهول من الانقلاب الجذري الذي طرأ على مسار القدر في عالم الرأس.

وبعد صمت كئيب، توجهتُ إليه بطلب أخير:

“تربطني صلة وثيقة بشخص مقرب من تشيونغ مون ريونغ… صلة قدرية لا تنفصم، ويتحتم عليّ معاينة حالته بنفسي.”

​والمقصود بذلك الشخص لم يكن سوى ذاتي في حيوات سابقة.

نظرتُ في عيني كيم يونغ هون وقلت:

“لقد ذكرتَ أنك استخدمتَ قدرات تلك المرحلة لختم روح تشيونغ مون ريونغ، أليس كذلك؟”

“نعم.”

“أرجوك… خذني إلى تشيونغ مون ريونغ.”

“…”

​ارتسمت على وجه كيم يونغ هون ملامح معقدة يصعب تفسيرها.

وبعد برهة وجيزة، نهض من مجلسه وقال:

“اتبعني.”

​نهاية الفصل.

م.م: اخذت احداث الرواية تتوسع في عالمها.

الفصل التالي
فصل 273: العمود (4
اقرأ الآن

ما رأيك في الفصل؟

السابق

تعليقات الفصل

سجّل دخولك للمشاركة في النقاش. القراءة متاحة للجميع.