الفصل 1844
“آااااااه! سحقاً!”
ضرب جو غول الأرض بقبضتيه.
وبطبيعة الحال، كان فعلاً لا طائل منه سوى تفريغ مشاعره المتفجرة. وكل ما جناه هو استنزاف قوته فحسب.
ومع ذلك، لم يستطع أحد إيقافه أو لومه على ما فعل. فكل من عاين هذا المشهد راوده الشعور ذاته.
لقد سحق هذا المنظر الوحشي معنويات كل من رآه.
فأينما ولّوا وجوههم، لم يروا سوى الجثث.
وبمواجهة هذا المشهد مجدداً، تصدع عزمهم الذي كابدوا لنيله وبدأ يتداعى حتماً.
“… السيد مويونغ.”
وعند رؤية مويونغ ويغيونغ راقداً بين الجثث، أغمض يون جونغ عينيه بإحكام.
لم تجمع بينهما رابطة وثيقة على وجه الخصوص. لكنه لم يشأ قط أن يلتقي به مجدداً على هذه الشاكلة.
فالجراح المحفورة في جسد مويونغ ويغيونغ كانت تنطق بمدى ضراوة مقاومته حتى لحظاته الأخيرة. وكم قاتل بيأس حتى رمقه الأخير.
ومع ذلك، فقد تأخروا من جديد.
وعلى غير عادته، عض إم سوبيونغ على شفتيه باضطراب، مبرزاً قلقه على الملأ دون مواربة.
لقد ذُبح مئة شخص. وليست حقيقة مقتلهم هي ما يهم، بل ما يهم حقاً هو الكيفية التي قُتلوا بها.
‘لم يستطيعوا حتى إبداء مقاومة حقيقية.’
لا ريب في أنهم قاتلوا بكل ما أوتوا من قوة. ولا بد أن نيتهم كانت الثبات في مواقعهم دون أن تفارقهم شجاعتهم حتى الرمق الأخير.
ومع ذلك، لم تكن هناك جثة واحدة للعدو في مدى البصر. وبالنظر إلى أن هؤلاء الأعداء لم يكونوا من الصنف الذي يحرص على استعادة جثث رفاقه، فقد كان ذلك يعني أن المهاجمين لم يتكبدوا أي خسائر تُذكر على الرغم من إبادتهم لما يقارب مئة من أعضاء التحالف.
وفي تلك اللحظة، انحنى ماينغ سو فوق إحدى الجثث ووضع إصبعه على جرح فاغر.
“… لقد بدأ الدم يتخثر بالفعل. وهذا يعني أن خمس عشرة دقيقة قد انقضت على الأقل.”
“أقلت خمس عشرة دقيقة؟”
أومأ ماينغ سو برأسه إيماءة ثقيلة.
إن محاربي قصر الوحوش فنانو قتال، لكنهم عملياً نصف صيادين أيضاً. وقدرتهم على تقدير الوقت استناداً إلى الآثار تفوق أي شخص آخر هنا.
ولكن أن تنقضي خمس عشرة دقيقة كاملة… لقد ركضوا بأقصى سرعة، ومع ذلك اتسعت المسافة إلى هذا الحد؟
“علينا التحرك أولاً.”
وعند كلمات إم سوبيونغ، أومأ الجميع برؤوسهم بملامح يكسوها الوجوم.
فالتلكؤ هنا، والندب على الموتى، لن يغير من الأمر شيئاً. وإن كان لديهم متسع من القوة للحزن، فالأولى بهم أن يخطوا خطوة أخرى إلى الأمام على الأقل.
حفيف.
انطلق تلاميذ طائفة هوا من فوق الأرض، مقتفين الأثر الذي تركه العدو. ومع ذلك، وعلى خلاف ذي قبل، شعروا بثقل أرجلهم.
‘خطر.’
تسلل إحساس بالخدر إلى أصابع أقدامهم.
كان جانغ إلسو يفتك بأعضاء تحالف الرفيق السماوي المتفرقين بسرعة، مستغلاً وقته بأقصى درجات الكفاءة. لم تكن هناك حركة ضائعة. واعتماداً على فارق القوة الساحق، كان يجهز عليهم في سرعة خاطفة.
ولكن ماذا عن هذا الجانب؟
في الوقت الحالي، القوة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه جانغ إلسو ومجموعته هي طائفة هوا. وفي حين تقتفي طائفة هوا أثر جانغ إلسو، فإنهم يهدرون أجزاء من الوقت هنا وهناك.
فما الذي سيحدث إن استمر هذا الوقت الضائع في التراكم؟
‘فارق الخمس عشرة دقيقة قد لا يُسد أبداً.’
ليس قبل أن يُسحق جميع أعضاء التحالف، ويتهاوى اسم تحالف الرفيق السماوي العظيم في النهاية.
مسح إم سوبيونغ شفتيه بخشونة بدافع الغريزة. ثم، وهو يحكم إطباق فمه، واصل أفكاره المشوبة بالقلق. واستطاع أن يشعر بارتعاد يديه الخارج عن السيطرة فوق شفتيه.
‘عليّ فعل شيء ما. في هذه اللحظة بالذات.’
ولكن كيف؟ وبخلاف اقتفاء الآثار التي خلفوها، ما الذي بوسعهم فعله؟
أتراهم يتنبؤون بمسار العدو ويسبقونه؟ القول أيسر بكثير من الفعل. ففي اللحظة التي يفشلون فيها لمرة واحدة، لن يتمكنوا من اللحاق بـ جانغ إلسو أبداً. وإن حدث ذلك، فإن حتى تعقب مساره كهذا الآن سيصبح أمراً مستحيلاً.
وعندها ستكون النهاية بحق.
لقد احتاجوا إلى طريقة أخرى – شيء أكبر من مجرد مقامرة غير مأمونة العواقب. شيء يعدهم بفرصة حقيقية للنصر.
وبدا أن إم سوبيونغ لم يكن الوحيد الذي يفكر على هذا النحو.
“ألا يجدر بنا إخطارهم، يا ملك نوكريم؟”
يون جونغ، الذي كان يركض في المقدمة، التفت إلى إم سوبيونغ ورفع صوته.
“إن حذرنا أعضاء التحالف من أن جانغ إلسو يستهدفهم، فسيتمكنون من الاستعداد على الأقل، أليس كذلك؟”
لكن إم سوبيونغ أجابه ببرود.
“وكيف تقترح عليهم أن يستعدوا؟”
“كيف…”
“أنخبرهم أن جانغ إلسو يتعقبهم، لذا يجدر بهم بذل وسعهم للمقاومة؟ أم نخبرهم أن ‘اهربوا دون أن تلتفتوا إلى الوراء’؟ ما النفع الذي يجلبه العلم بذلك؟”
“ومع ذلك، لو استطعنا جمعهم في بقعة واحدة ليتمكنوا من الاستعداد…”
“وهل تظن أنه سيقف مكتوف اليدين ليدع ذلك يحدث؟”
“…”
“وأين وكيف نخبرهم أصلاً؟ نحن لا نعلم حتى أين يوجد حلفاؤنا.”
“إذن نتفرق ونبحث عنهم.”
“إن فطن للأمر وجاء إلينا أولاً، فالتحالف هالك لا محالة. كلا، قبل ذلك حتى، ستُباد طائفة هوا. هذه المرة، إبادة حقيقية.”
أطبق يون جونغ فمه، وبدا محطماً. كان يدرك الصعوبات العملية، لكن ذلك لا يعني قدرتهم على الوقوف متفرجين بينما يُضحى بالمزيد من الأرواح.
“ماذا عن بايك آه؟”
وفي تلك اللحظة، تحول صوت يو إيسول القارس نحو تشونغ ميونغ.
“إن كان بايك آه، ألا يمكنه اقتفاء أثره؟”
“يبدو ذلك مستبعداً.”
جاء الرد من جانب ماينغ سو.
“… ولمَ لا؟”
“رائحة الجثث طاغية للغاية.”
هز ماينغ سو رأسه وأردف قائلاً:
“حتى الشخص ذو الحواس العادية بالكاد يطيق البقاء هنا. فما بالك بوحش ذي حاسة شم حادة، فالأمر أسوأ بكثير. ومهما بلغت براعة بايك آه، فإن محاولة التقاط رائحة شخص واحد في مكان كهذا ستكون مستحيلة.”
“ولكن مع ذلك…”
يو إيسول التي أبت التخلي عن آخر خيط من الأمل، فتحت فمها كأنها تريد قول المزيد، لكنها أطبقته بإحكام بعد ذلك.
أطلق إم سوبيونغ تنهيدة ثقيلة وتدخل قائلاً:
“الأمر تماماً كما قال سيد القصر.”
وعند هذا، حدجته يو إيسول بنظرة عتاب.
كان إم سوبيونغ يتفهم رغبة يو إيسول اليائسة في العثور على أي بصيص أمل. ولم يكن من الصعب تخمين مدى قلقها من مجرد الطريقة التي أحكمت بها قبضتيها بما يكفي لقطع مجرى الدماء.
لكن الواقع يظل واقعاً.
“حتى لو استطاع ذلك الوحش الروحي تعقب رائحة جانغ إلسو، فستكون النتيجة واحدة. يستحيل ألا يكون قد تحسب لذلك.”
“… تحسب؟”
“كان بمقدوره إلقاء الرداء الذي يرتديه، أو ببساطة تبديل ثيابه. وفي الوضع الراهن، سيكون ذلك كافياً وزيادة.”
بل إن جانغ إلسو قد غمر نفسه بدماء غيره.
لم يرد إم سوبيونغ تصديق أن جانغ إلسو قد خطط إلى هذا الحد البعيد واختبأ وسط الجثث. ولكن ما عسى المرء أن يفعل حين تكون هذه هي النتيجة؟
وفي النهاية، كانت أعظم وسيلة لديهم لتعقب جانغ إلسو قد أُبطلت عملياً.
“وما العمل إذن؟”
لكن يو إيسول أصرت.
“أنستسلم؟ أنواصل المطاردة هكذا فحسب؟”
“دوجانغ.”
“أنكتفي بالقول إننا فعلنا ما يكفي؟ بينما يواصل الناس موتهم؟”
“ساغو!”
أجفل جو غول وحاول تهدئة يو إيسول. فمنذ متى أظهرت كل هذا القدر من المشاعر؟
“نحن عاجزون. لقد فعلنا كل ما في وسعنا. لا توجد طريقة أخرى.”
“…”
“الأعذار وتلك الكلمات… فلنضعها جانباً. لقد نلنا منها ما يفوق الكفاية بالفعل.”
أحكم إم سوبيونغ قبضته بشدة. افتقرت كلمات يو إيسول إلى الدقة، ومع ذلك، وفي الوقت عينه، كانت محقة بلا أدنى ريب.
ليس هذا وقت سرد كل الأسباب التي تحول دون فعل ذلك. كان عليهم بطريقة ما قلب هذا الموقف الخاسر. فإن اعتمدوا على المنطق والعقل، فكل ما تبقى هو الإقرار بالهزيمة.
سبب واحد فقط سيكفي. سبب واحد للمراهنة بكل ما لديهم.
‘سحقاً، حتى الآن…!’
وفي اللحظة التي أوشك فيها إم سوبيونغ على التفوه بشيء ما.
“كفوا عن إثارة هذه الجلبة.”
بصق تشونغ ميونغ، الذي كان في المقدمة، كلماته ببرود. وكان صوته يتجاوز اللامبالاة، بل كان قاسياً لا يعرف هوادة. وسقطت عيون مستفهمة على ظهر تشونغ ميونغ.
لكن الشخص الذي قدم إجابة لتبديد شكوكهم لم يكن تشونغ ميونغ، بل ماينغ سو.
“لقد أعددنا العدة بالفعل.”
“ماذا؟”
التفت إم سوبيونغ بحدة نحو ماينغ سو، وعيناه متسعتان من الذهول. وظل وجه ماينغ سو هادئاً تماماً.
“أعني أن الاستعدادات لتعقبه باتت جاهزة بالفعل.”
“ولكن قبل لحظة فحسب…!”
“لقد قلت فقط إن بايك آه عاجز عن فعل ذلك. وصحيح أننا لا نستطيع اقتفاء أثره بالرائحة.”
التمعت عينا ماينغ سو ببريق ساطع.
“ولكن تتبع أحدهم لا يقتصر على حاسة الشم وحدها، أليس كذلك؟ أليست العيون أكثر موثوقية من الأنوف؟”
أضاء الأمل وجه إم سوبيونغ لبرهة، لتعقبه خيبة الأمل سريعاً.
“نحن نفعل كل ما في وسعنا بالفعل – نبحث عن الآثار، ونقتفي الخطوات. ولكن مهما حاولنا، فهناك حد لما تستطيعه العين البشرية في رقعة شاسعة كهذه، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح إن كنا نتحدث عن البشر.”
“… عفواً؟”
وللحظة، بدا إم سوبيونغ في حيرة، ثم استقر شيء في ذهنه. واهتز بؤبؤا عينيه.
“آه!”
“لا بد أنها ستصل قريباً.”
رفع ماينغ سو بصره نحو السماء. وفي اللحظة التي أنهى فيها كلماته، شقت صرخة حادة عنان السماء.
حفيف!
التفت الجميع في دهشة ونظروا سريعاً إلى أعلى. وتحت سماء ممطرة، مثقلة بالغيوم الداكنة، عبرت عدة ظلال بسرعة فوق رؤوسهم.
“صقور! أجل، هذا هو الحل!”
صاح جو غول بفرحة خالصة.
لا يمكن تعقبهم بأعين البشر. ولكن إن كان طائراً يحلق في السماء؟ إن كان صقراً، بمقدوره الرؤية لأبعد مما يراه الإنسان بعدة أضعاف، يطارده من علٍ؟
وإن لم يكن صقراً واحداً، بل حلقت العشرات من تلك الطيور، أفلن يتمكنوا من تعقبهم وحصارهم في مكانهم؟
صاح إم سوبيونغ، عاجزاً عن كبح جماح حماسته:
“اللعنة، متى أعددتم كل هذا؟!”
“منذ اللحظة التي تأكدنا فيها من وجود جانغ إلسو.”
وبينما ظل ماينغ سو رابط الجأش، شعر إم سوبيونغ وكأن أحشاءه على وشك الانفجار.
“كان يجدر بكم إخباري في وقت أبكر إذن! يا لكم من أوغاد لا تطاقون!”
كان من الجلي أن تشونغ ميونغ وماينغ سو كانا على تواصل منذ البداية. ولا بد أن هذا هو سبب هدوء كليهما إلى هذا الحد. وكان بوسعهما على الأقل إخطار إم سوبيونغ – المخطط الحربي الخاص بهما.
هز ماينغ سو رأسه ببطء.
“لم نكن متأكدين. لم يكن هناك ما يضمن أن الطيور السماوية المتفرقة في ساحة المعركة ستطير إلى هنا في اللحظة المناسبة تماماً. ولم نتأكد من ذلك إلا الآن.”
“إذن… لا، ليس هذا. لو استخدمنا الطيور منذ البداية، لتمكنا من العثور على الحقيقيـ-”
“حتى لو كانت مخلوقات عجيبة – طيوراً سماوية (تم استبدال الكلمة الأصلية بـ”سماوية” لتجنب الكفريات) – فهي تظل مجرد طيور في نهاية المطاف. لا تستطيع التمييز بين الحقيقي والمزيف.”
“همم. هذا صحيح بالتأكيد.”
أومأ إم سوبيونغ برأسه دون وعي منه. ولكن في الوقت الحالي، لم تكن تلك هي المعضلة الأساسية.
‘اتساع ساحة المعركة لم يعد يشكل عائقاً.’
فمن منظور الطيور، لا البشر، لم تكن ساحة المعركة هذه شاسعة على الإطلاق. وبفضل حدة بصر الطيور السماوية التي يسيطر عليها قصر الوحوش، سيكون رصد مجموعة تتحرك بسرعة عبر ساحة المعركة الفسيحة هذه أمراً في غاية البساطة.
‘هذا سينجح بالتأكيد!’
لم يكن بمقدور جانغ إلسو توقع هذا المتغير. وحتى لو توقعه، فلن تكون هناك طريقة للتصدي له. فكيف لأي شخص تجنب الأعين الساهرة لطيور تحلق في الأعالي؟
“إنها قادمة!”
انقضت الطيور التي كانت تحوم في السماء دفعة واحدة نحو ماينغ سو، واستقرت فوق جسده الضخم.
ولم تكن مجرد صقور. بل غربان، وعصافير صغيرة بلون اليشم، وحتى كراكي ضخمة… طيور من شتى الأصناف حدقت في وجه ماينغ سو كأنها تنتظر أمره.
“هناك! ذلك الطائر هنا أيضاً!”
“أي طائر؟”
“حمامة العشرة آلاف لي الذهبية! يمكنك رؤية ذلك الشيء اللعين هناك تحديداً.”
“… ألم يكن يُدعى العصفور الذهبي؟”
حسناً، أيهتم أحد بذلك في هذه اللحظة أصلاً؟
نظر إم سوبيونغ إلى ماينغ سو والطيور المحيطة به بعيون تفيض بالحماسة.
‘من كان يظن أن قصر الوحوش سيقدم مثل هذه المساعدة العظيمة بهذا الشكل؟’
لو كان تحالف الرفيق السماوي يتألف من فناني قتال الطوائف المستقيمة حصراً، لما كان مثل هذا التكتيك ممكناً أبداً.
لكن تحالف الرفيق السماوي ضم الآن شتى أصناف الناس المحتشدين من كل بقاع الأرض. ومهما بلغت براعة جانغ إلسو، فما كان بمقدوره بحساب العقل أن يحسب حساب كل متغير يقدمونه.
“حسناً.”
رفع ماينغ سو يده. وحلق الصقر الرابض على ظهرها بقوة في الهواء.
“جدوه!”
وما إن صدر الأمر، حتى انطلقت عشرات الطيور السماوية في وقت واحد نحو السماء الممطرة. وانطلق الطائر الذهبي الذي كان رابضاً فوق رأس تشونغ ميونغ مندفعاً إلى الأمام، مستحيلاً إلى شعاع من ضياء ذهبي يشق السحاب.

تعليقات الفصل